
طعم رماد الوداع يتذوقه الذاهبون هنا . و الأعين تبدو كولد صغير يحمل الحب ببراءة عينه لكن, لعينيه يستسلم ويقبِل قدره حتى يصبح شابا.
سحبت كرسي المقهى الموجود هناك حيث ينتظر المسافرون طائرتهم لتجهز أو يكونوا بانتظار العائدين , أخذت نفسا عميقا فتتوسع رئتاي بقصص هؤلاء الأشخاص المرسومة على جبين هذه الوجوه ليخترق صدري رائحة النيكوتين المرسلة من سيجارة الرجل ذو الستين ربيعا الجالس على الطاولة المجاورة لطاولتي بجانب زوجته الممتلئة بالدهون والتي تعيقها عن الحركة بسهولة فتستعين بالكرسي المتحرك بينما تتكفل خادمتها بجرها فيبدو على زوجها البؤس وهو يفتح عيناه جيدا حينما تمر أمامه فتاة العشرين أو الثلاثين عاما . ولكن ألم تكن زوجته بهذا العمر يوما ,فما باله يريد العيش مرتين, لا بأس بذلك فربما الآن سنسامحهم على تفكيرهم هذا لأننا أصبحنا أيضا غير قنوعين ونريد لأزواجنا يكونوا بهذا السن كريتشارد غير وجورج كلوني , هل ذكرت كاظم الساهر أيضا؟
بالنسبة إلي شخصيا أفضل ريتشارد غير فلطالما كان جذابا في شبابه وزاده ثلوج شعرة الذي أحب جاذبيه لا تستطيع مقاومتها فتاة العشرين مثلي رغم ضيق عينيه المتلألئتان ولكنها أكثر عينان معبرتان تعثرت بهما, أو حلمت أن أتعثر بهما بينما أقوم بهوايتي التي ابتدعتها لنفسي. وهي الجلوس مطولا بهذا المطار أتأملهم وأقرأهم فأرسم قصصهم الظاهرة لي كما أتخيل لأكتبهم أبطالا داخل سطوري,
فهناك من يستقبل العائدون ويتمنى لو تحطمت الطائرة بهم حتى لو كانوا أزواجهن, وآخر يترك الأرصفة المبتلة بدموعه ودموع حبيبته تاركا إياها مع وعد وضعه داخل قلادة قسمت نصفين منحوت على إحداها والمتشكل بشكل قلب مكسور لا اله إلا الله وعلى النصف الأخر محمد رسول الله فيغادر وطنه متأملا بجمع ثمن عشهما. و أنا أقبع بكل هدوء على هذا الكرسي الخشبي والسكون يعتريني والتأمل يحتويني , وكل شيء هنا يرضيني وعيناي تترصد الجميع تتأملهم بسكون لم يعيروه أي اهتمام , عدا تلك الفتاة شقراء الشعر خضراء العينين فاتنة الوجنتين تنظر إلي ربما منذ فترة طويلة وأنا لم انتبه لها , بادلتها النظرات لأقرأ عنها طفولتها المترفة للحظة أغرقتني ابنة الخمس سنوات داخل ذكريات طفولتي الراحلة بينما كنت أجلس الى جانب والدي كما تفعل هي لكن تلك اللحظة كنت فتاة التسع أو العشر سنوات و أبي يشاهد التلفاز بدل انتظاره موعد الرحلة .
كان والدي يتابع مقابلة للرئيس الراحل ياسر عرفات رحمة الله وأنا أشاركه هذا بينما يجد الأطفال غيري ذلك ممل جدا , لكنهم لم يعلموا لما أردت متابعتها حتى النهاية !!؟
الحقيقة لفتني رجفة شفتيه التي اشتهر بها وحسبته مريضا جدا واعتبرته شجاعا رغم مرضه أن يظهر على التلفاز ليتكلم بقضية اهتم بها جميع مدرسين التاريخ ليحفظونا إياها فأنا كنت انتظر للأسف لحظه ,,,موته أمام الشاشة لم أكن حتى اعلم يومها انه رئيس فلسطين المحتلة لأنهم نسوا عندما علمونا عن تاريخنا أن يقولوا لنا أين وصلنا بهذا التاريخ ومن يحكم الآن فيعود اجتهاد الأطفال الشخصي بأن يعلموا ,فنضطر أن نتابع الجرائد أو الأخبار لنعلم ذلك ولكنا ببساطة لم نفعل .
انتهت المقابلة السياسية بنجاة جميع الحاضرين وبسؤالي لأبي والذي كان بريئا جدا وعرفت ذلك من نظرة تفحص أبي لي: من هذا ؟
أجابني بكل بساطه : هو رئيس فلسطين المحتلة يا ابنتي.
في المدرسة كنت أجد صعوبة في حفظ أسماء جميع أبطال التاريخ لطالما مقت التاريخ .
قطعت علي ذكرياتي تلك الشقراء حينما اقتربت إلي بابتسامه كالفراولة ومدت يداها الصغيرتان لتسلم علي ووالداها يراقبانها عن بعد مطمئنين , بادرتها السلام بعد أن طبعت على خديها الكرزيتين قبلتين وسألتها عن اسمها أجابتني بنعومة : هديل .
همت بالرجوع الى والديها بعدما سحبت يداها الناعمتان من بين يدي طلبت منها الانتظار , وأسرعت بنزع الحطة الفلسطينية التي لففتها حول عنقي وأعطيتها إياها , أخذتها بعد تردد ونظرة خاطفة الى والديها وأسرعت إليهما ترتمي بحضن والدتها بكل دلع. لا اعلم لما أعطيتها ما اعتبره رمزا من رموز التاريخ .
رغم أني كرهت التاريخ لكني تعلمت أن رموز التاريخ ليست أسماء أبطالها, بل الرموز الموضوعة على رؤوس شهدائها, وجنودها , وقائدها .
رغم أني كرهت مادة التاريخ إلا أني أجد نفسي اتركه ورثة لتلك الطفلة حتى تكتبه لجيل جديد.
رغم أني كرهت التاريخ ورفضت و أنا في مدرستي أن أحفظ جميع أسماء أبطال التاريخ لأنه يصعب علي تذكرهم معا أجدني اليوم أقرأ عنهم.
رغم أني غير مهتمة أن أحفظ اسم رئيس كل دولة أجدني حافظه لتاريخ بوش دون إرادتي .
رغم أني اكره التاريخ وصلت لقناعه انه لا داعي لأبدو مثقفه بنظر الجميع واني اعلم أسمائهم جميعا وكم تولوا حكمهم ؟؟
أو كم عمره ؟و متى توفيت زوجته بحادث سيارة مرعب؟
ولكن المهم فعلا أن أرى هذه الدول تعيش بسلام هادئ.
و يعاد تاريخ عمر بن عبد العزيز فلا يجد والدي شخصا يستحق الزكاة, أليس هذا هو التاريخ الذي كنت ابحث عنه بين الكتب وأنا صغيرة!!!؟
ربما,سأسأل طفولتي حين ألتقيها بين إحدى رواياتي .
ومع كل هذا فضجيج المسافرون يسعدني وهتافات العائدون تفرحني ودموعهم جميعا تبحر بي , رغم أنه لازال البعض يسافر متنكرا معتقدا أن رحلته هذه ستوصله الى الجنة وهؤلاء لم اعرفهم بعد .









said:

said:






said:

said:


said:


said:
said:



said:






said:

said:


said:



من الولايات المتحدة